رثاء خالي

قبل سنوات، هذا ما كتبت في رثاء خالي وأبي الروحي / الدكتور / أحمد يوسف الحسن... 

 

يمر اليوم حوالي ثمانية أعوام على وفاة خالي أحمد يوسف الحسن من عائلة الجبارين، إحدى عائلات بلدة ام الفحم: من مدن داخل الخط الاخضر في فلسطين المحتلة.  ولد الحسن في 25 حزيران/يونيو 1925م في ضاحية مشيرفة التابعة لبلدة أم الفحم وتوفاه الله تعالى في تورونتو في 28 نيسان/أبريل 2012م. تخرج من كلية الهندسة قسم الميكانيكا من جامعة فؤاد الاول (جامعة القاهرة) عام 1947م وفي طريق عودته بحراً، مَرَّ بسورية واستقر فيها وعمل بشركة نجيب باقي للاعمال الميكانيكية، ثم في كلية الهندسة في مدينة حلب، ثم نال شهادة الدكتوراة بنفس التخصص من كلية الامبيريال كوليدج- جامعة لندن، وعاد للعمل في كلية الهندسة في حلب. تم تعيينه وزيراً للكهرباء والصناعة، وأشرف على انشاء سد الفرات في سورية، وفي عام 1970م اصبح رئيسا لجامعة حلب وفي اثناء ذلك بادر بانشاء معهد التراث العلمي العربي بنفس الجامعة حيث تم جمع مخطوطات علمية عربية في مجالات الهندسة والطب والكيمياء، الخ، من مختلف انحاء العالم وقام المعهد بمراجعتها ونشرها وعندما زرته في كندا في عام 1994م، تحدث كثيرا عن المعهد المذكور وأهداني بعضا من تلك المخطوطات: أذكر منها مخطوطة عن تصميم وصناعة المضخات بعنوان "علم الحِيَل عند العرب" اي علم الميكانيكا - تصنيف بني موسى بن شاكر، ولا أزال احتفظ بها.


من اليابان إلى أميركا... لقاء خالي في كندا بعد عقود...

عندما كنت مقيماً في اليابان في مهمة عمل في منتصف التسعينات من القرن الماضي، وقررت زيارة اولادي في الولايات المتحدة الأميركية حيث كانوا يدرسون في ولاية تكساس، قام خالي بدعوتي لزيارته في كندا عام 1994م، وقبلت الدعوة وعند وصولي، فوجئت به يستقبلني في مطار تورنتو في المساء مع زوجته الفاضلة / أم سامح وابنتيه واخذني بحرارة بالاحضان. ذكرتني تلك اللحظة بزياراته فترة الأعياد مع أخيه محمد، لنا في المنسي-حيفا  إبان فترة الإنتداب البريطاني قبل نكبة فلسطين عام 1948م، وخلال زيارتي له في كندا، أصََّر أن انزل في ضيافته في دارته، بل أنه قام بتوبيخي ولومي  بشدة عندما علم انني حجزت في فندق ماريوت في تورونتو، واتصل بالفندق وطلب الغاء الحجز لاسباب طارئة، وهذا ما حصل، وحاول أن أقضي معه اكبر وقت ممكن وجال بي في اماكن ومعالم مشهورة هناك منها شلالات نياجارا. أكاد اجزم انه تعامل معي كابن له غاب عنه طويلاً. ذكر لي انه يعمل على اعداد كتاب عن مكانة العلم في الاسلام وذلك ردا على كتاب قام بتاليفه شخص باكستاني مع شخص عربي غير مسلم من لبنان، يعرفه خالي جيدا، وقال لي أنه وإن كان يؤمن باختلاف الرأي والرأي الآخر وتعدد الآراء، الا انه لم يستسغ ان يشارك هذا العربي بهذا العمل، لانه يثير حساسيات لا داعي لها. قال خالي لي أنه عندما قرأ الكتاب، إتصل بدار النشر البريطانية (على ما أذكر انها دار اكسفورد للطباعة والنشر) وأخبرها بملاحظاته، أبدت دار أكسفورد استعدادها لنشر كتاب خالي ردا على الكتاب المشار اليه.

شخصيته... 

إتسم خالي دائما بالتواضع والحنان، فلقد رأيت فيه ذلك الشخص المتواضع الحنون على أهله وأقاربه، خاصة والديه وأعمامه وجيرانه، كما تميز بحبه لعمل الخير، خاصة فيما يتعلق بالتعليم والثقافة والمعرفة، وأنه صاحب رسالة في مجتمعه ولقضيته.

شهادة من شخص التقيته في قطر... 

كنت أرى إسم الدكتور/ حسام أمين الخطيب من خلال عموده الصحفي الذي كان يكتبه بين الحين والآخر في صحيفة ’الراية‘ القطرية. وفي أحد المناسبات، إلتقيته شخصياً وتعرفت عليه عن قرب في فندق شيراتون الدوحة الشهير الهرمي الشكل، فدار بيننا حديثٌ وديٌ غني.  قبل قدومه إلى دولة قطر، الخطيب سبق أن عمل مساعداً لوزير التعليم العالي في سورية وقتها، وفي لقاءنا سوياً في ردهة الفندق، جاءت سيرة خالي وقال فيه: إن خالك (الدكتور الحسن) كان معروفاً في سورية بانه رجل المهمات الصعبة خاصة عندما كان وزيرا للكهرباء والصناعة. 

 من الممكن أن تكون مهندساً أو طبيباً ثم أديباً ولكن ليس العكس!

 أذكر جيداً، انني في مرحلة الثانوية في المدرسة، كنت احب وأحاول كتابة وتنظيم الشعر والنثر، وكنت انوي الالتحاق بكلية الاداب. ولكن عندما كنت في زيارة لخالي في مدينة حلب وقتها، وعلم بذلك، إصطحبني على إنفراد إلى مكتبته الخاصة في المنزل وأشار إلى كتب أدبية كثيرة من تاليف أطباء ومهندسين وصيادلة وغيرهم، وقال لى حرفيا: "يمكن ان تكون مهندسا او طبيبا ثم أديبا، لكن لا يمكنك ان تكون أديباً ثم تكون مهندساً أو طبياً"، وعلى الفور وفي عودتي، قررت دراسة وإنهاء الثانوية العامة في كلية النجاح الوطنية في مدينة نابلس على المنهاج المصري، ثم دراسة الهندسة في جامعة الاسكندرية لاحقاً، وهذا ما حصل. وكان لذلك تأثيراً كبيراً جداً على مسار حياتي على كل الأصعدة... وها أنا وبعد التقاعد تفرغت للكتابة وأعمال البحث المختلفة...

أدعو الله دائماً لخالي بالرحمة عليه، بعد كل صلاة، خمس مرات في اليوم، وعلى والدَي وجدايا لأمي وأبي بالسكينة والرحمة وأن يسكنهم الله تعالى جميعا فسيح جناته.

روابط ذو علاقة

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86