الوحدة... التي لم يُكتَب لها الاستدامة...
في وقت سابق من شهر (تشرين أول/أكتوبر 2022م)، قُمت بقراءة متأنية لخطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي قام بإلقاءه بعد إنفصال سوريا عن مصر قبل حوالي ستين عاماً. حصَلْتُ على نسخة من الخطاب تم توزيعها مكونة من أربع صفحات للنص الكامل والأصلي وذلك من ندوة أُقيمت في عمَّان، الأردن في مقر المنتدى العربي يوم 28 أيلول/سبتمر 2022م (ذكرى الإنفصال). قُمْتُ بتقسيم قراءتي للخطاب إلى أربعة أقسام: إضاءات، ملاحظات، إقتراحات وتوصيات، وتنويهات.
إضاءات هامة:
قُمْتٌ بتسليط الضوء وتحديد العناصر المهمة التي وردت في الخطاب بشكل تسلسلي وكانت على النحو التالي:
قال عبدالناصر أن الخطاب هو تعبيرعن الأمة ولا ينبغي أن يكون بيننا وبين الحقيقة الكاملة حجاب، وأن أهدافنا تكمن في كلمتين: هما إستعادة الحرية السياسية وإستعادة الحرية الاجتماعية وبالرغم عن القوى المضادة للثورة في الخارج، فلقد وُجِدَتْ تلك القُوى من أبناء الأمة من يقوم بدور الخونة والعملاء بأثمان مختلفة.
كما تَكَلَّمَ عن بعض التغييرات التي حصلت في مصر في قطاعات وظروف عديدة مثل الزراعة والصناعة وحرب السويس عام 1956م والقوانين الإشتراكية، وكما قال في خطاب سابق فإن الرجعية سوف تُرْغَم على التقهقر من الموقع الذي احتلته في دمشق.
وأضاف بأنه يجب علينا أن نعي درس التجربة ونحفظه، حيث قام الاستعمار بتغيير طريقة تسلله الى أرضنا، في حين أننا لم نُغَيِّر طريقة مواجهتنا له. لقد كنا في وهم خطير هو المصالحة مع الرجعية والرأسمالية والإقطاع، حيث في سوريا تكتلت وتكاتفت القوى الإنتهازية مع الإستعمار، إضافة الى عدم كفاية التنظيم الشعبي وكلها قد مهدت لتسلل الرجعية الى الاتحاد القومي.
وعليه لا بد من توسيع القيادة الثورية والقاعدة الثورية معاً وتوعية الجماهير، حيث أشار الى أن الجهاز الحكومي عليه ان ينقل الى الجماهير إحساساً جديداً بأنه مجرد خادم لمصالحها وليست مصالح الجماهير هي المُسَخَّرَة لخدمة الجهاز الحكومي وعليه يجب إعادة تنظيم جهاز الدولة.
وعلى الجانب الاخر، وجدت العناصر المؤمنة نفسها مُرْغَمَةً ومُجْبَرَةً على اتخاذ موقف سلبي من الوحدة.
وختم الرئيس خطابه قائلا: "لقد أردت أن يكون حديثي إليكم واضحاً لا مواربة به (...) لقد أعطيت هذه الثورة العربية عمري وسيبقى لها عمري وليس عندي ما أعطيه لها غير كل قطرة من دَمِي".
ملاحظات هامة:
شخصياً، كنت منذ شبابي ناصرياً ولم أنْتَمِ لأي حزب سياسي أوعقائدي، بل كنت ناصرياً مُقْتَنِعاً ومُتَأَثِّراً ومُتَحَمِّساً، ولكن بعد مُضِيّ ما يزيد عن ستين عاماً على الإنفصال من جهة وتقدم العُمْرِ من جهة اخرى ومتابعة ما قيل ونُشِرَ عن الانفصال وأسبابه، أجد من واجبي اتجاه أمتي العربية أن أكتب الملاحظات التالية على هذا الخطاب مع أنني طالبت سابقا عدة مرات من المفكرين العروبيين العمل على تقييم التجربة الناصرية وتقديم بيان للجماهير العربية يقترحون استكمال التجربة الناصرية على ضوء ما استجد.
يمكن تحديد أسباب كثيرة ساهمت في عملية الانفصال ولكنني اكتفي هنا بذكر أسباب رئيسية منها:
1. لم تضع ولم يكن لقيادة الثورة تصوراً ولو بشكل عام عن كيفية إدارة الدولة الجديدة الوليدة على ضوء الأوضاع المحلية/القُطْرِيَّة لكل دولة/إقليم.
2. قام جمال عبد الناصر بتعيين شخص لإدارة سوريا، ثبت أنه غير مؤهل لهذا الموقع وبالتالي التحدي الذي كان على عاتقه، حيث أحاط نفسه بمجموعة من الاشخاص تسير على هواه واستبعد الكوادر المؤمنة أمثال: نهاد القاسم وعبد الحميد السراج، لمجرد إبدائهم ملاحظات على ادارة الاقليم الشمالي، كما سمح لعناصر أخرى أن تتغلغل في الاتحاد القومي في سوريا مثل: مأمون الكزبري ومعروف الدواليبي والاشخاص الذين أوْكَلَ لهم إدارة مكتبه برئاسة العقيد عبد الكريم النحلاوي وفي مساء يوم الانفصال، استقبل جمال عبدالناصر رفيق دربه عند عودته إلى القاهرة، بعد أن تم تسفيره/ترحيله من دمشق، ولكن هذا الشخص استمر على قمة السلطة الى أن وقعت نكسة 1967م، وقيل أنه انتحر بعد عزله من قيادة الجيش مع عدد من مؤيديه.
3. بعض القيادات التاريخية لاحزاب قومية والتي كانت تدعو للوحدة، وقَفَتْ إلى جانب الانفصاليين، مما أدى الى انسحاب الكوادر المؤمنة من قياداتها مثال: الدكتورعبد الله الريماوي والدكتور علي محمد فخرو والمحامي جبران مجدلاني الذي حدَّثَني عن ذلك في دولة قطر أثناء إقامتي وعملي فيها، عندما عملنا في قضية نظرت بها محكمة في قطر قامت بتعييني خبيراً بها.
4. يجب أن لا يخفى على بال أحد بأن الاستعمار الغربي الذي قام بتقسيم العالم العربي، سيستمر في عمل كل ما هو ممكن لمحاربة أي شكل من أشكال الوحدة وأن الرد الواجب على ذلك كان بتقوية المجتمع وتحسين حالة المواطن والسماح، بل بتشجيع الرأي الاخر والفكر الحر الإيجابي البنَّاء وتشكيل مجلس شورى من المؤمنين بالوحدة العربية ويملكون الشجاعة لقول الحق وإبداء المشورة وأن تقدم لهم الدولة الأمان. عاشت الأمة العربية وتحيا أهدافها في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية.
إقتراحات وتوصيات:
وبناء على ما تم سرده أعلاه من إضاءات وملاحظات، أقترح وأوصي بـ... (*تنويه# أنظر أدناه إلى آخر المنشور):
1. تشكيل لجنة عضويتها من الحُكَماء تكون مهمتها دراسة تجربة الوحدة ما بين مصر وسوريا وأسباب الانفصال بشكل موضوعي وتقديم اقتراح للوحدة كما تراه مناسباً وممكناً على ضوء ما استجد.
2. يتم اختيار أعضاء اللجنة من المفكرين المؤمنين بالوحدة العربية.
3. يتم إختيار شخص واحد على الأقل، كلما كان ذلك ممكناً، من كل من سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، العراق، اليمن، الكويت، السعودية، عُمان، مصر، السودان، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا. يتراوح عدد أعضاء اللجنة ما بين عشرين وثلاثين عضواً.
4. أن يكون العضو مؤمناً بأن الإسلام هو الحاضن الحضاري للعروبة.
5. أن لا يكون العضو مُنتمياً لأي حزب سياسي أو يكون قد غادر هذا الحزب أو ذاك منذ عشرة أعوام على الأقل.
6. أن لا يكون متطرفاً أو متشدداً في أرائه بل معتدلاً مرِناً يقبل الرأي الآخر وتعدد الآراء.
7. أن يكون للعضو أبحاثاً ودراسات تتعلق بتاريخ الأمة العربية وقضاياها.
يمكن إرسال تصوري لمهام اللجنة وطريقة إختيار أعضائها والبرنامج المُقترح لعملها على البريد الاكتروني لمن يطلبه ويهمه الأمر.
تنويهات:
*تنويه # 1. على المقترحات أعلاه. أود الإشارة بأنني قمت سابقاً بإرسال مُوجز الاقتراح الى مؤسسة دراسات الوحدة العربية في بيروت، لبنان.
*تنويه# 2. قمت بإرسال موجز عن الإقتراحات إلى الدكتور علي محمد فخرو وذلك من خلال التعليق على أحد مقالاته في صحيفة القدس العربي في لندن.
*تنويه# 3. كتَبْتُ عدة مرات عن الموضوع على صفحتي في الفيسبوك وعلى شكل تعليقات منوعة لعدد من الكُتاب ذي العلاقة من خلال مقالاتهم المنشورة على صحيفة القدس العربي.
----

0 Comments
إرسال تعليق