اعتقد ان الكثيرين من العرب يتذكرون معارك حطين وعين جالوت كما يتذكرون احتلال بغداد على يد هولاكو عام1258م ويتذكرون ايضا نكبة عام 1948م ونكسة عام 1967م، هذه المعارك والأحداث يتم تدريسها في المدارس والجامعات بل يعاد التذكير ببعضها سنويا حيث يتحدث عنها المتحدثون! لكنني اعتقد أن القليل من العرب يتذكر اليوم - ليس نكبة او نكسة، بل انتكاسة عام 1961م، حيث قام عقيد في الجيش كان مديراً لمكتب وزير الحربية عبد الحكيم عامر في دمشق باعتقال عامر يوم 28 من شهر أيلول/سبتمبر وقام بانقلاب على دولة الوحدة بين مصر وسورية والتي تم الإعلان عنها في شباط/فبراير عام 1958م.
انتكاسة 1961م كانت على أيادٍ محلية وهي اليوم لاتدرس لا في المدارس ولا في الجامعات العربية وتمر عليها بعض الاقلام مرور الكرام بخجل واستحياء.
"شاهد على العصر" ؟؟ أم ’شاهد غير موضوعي على العصر‘ ؟؟ أم "شاهد ما شافش حاجة" ؟؟
في برنامج "شاهد على العصر" الذي يقدمه الصحفي أحمد منصور على قناة الجزيرة الفضائية الناطقة باللغة العربية على حلقات بدأت من تاريخ 25 كانون ثاني/يناير 2010م، استضاف الصحفي ذلك العقيد وتابعت أنا وغيري من العرب تلك الحلقات لنعرف ماذا سيقول بعد تقدمه في العُمر وبعد ما آلت اليه الاحوال في العالم العربي وبعد مرور حوالي خمسين سنة على انقلابه!
اعتقد أن الكثير من العرب قد ادركوا ولو بعد هذا الزمن ان الانفصال ما كان ليحصل ومنهم حتى بعض المعارضين لجمال عبد الناصر، وعليه توقعت منه بعض الندم، ولكن اصابتني الصدمة عندما وجدته فخوراً بما قام به ومع ذلك، توقَّعْت من مُقدم الحلقات وكعادته بعد الإنتهاء من هذه الحلقات، أن يقوم بتنظيم او ترتيب حلقة نقاشية يشارك فيها طرف ثالث يمثل الرأي الآخرأو طرف مستقل محايد، ليقوم بالتعليق على ما ورد في هذه الحلقات، ولكن هذا لم يحدث، وبدا لي أن مقدم البرنامج قد سيطرت عليه خلفيته الأيدولوجية والسياسية ونسي مهنيته وأمانته بشكل كامل، أضف إلى ذلك، لا اعرف كيف لم تنتبه الإدارة العليا للقناة للأمر، بمحاولة تدارك الأمر أو إعادة تصويبه ولو على الأقل بشكل مهني احترافي، ولكن هذا أيضا لم يحدث، أم أنها نسيته او تغاضت عنه أو لم تنتبه له؟!
بقالة... ما زالت تحتفظ بإسم جمهورية الوحدة...
لقد عشت في دولة قطر لفترة طويلة وعندما قدمت لها في منتصف السبعينات عرفت بالبقالة الشهيرة التي كانت تحمل إسم "بقالة الجمهورية العربية المتحدة" وكنا نذهب لها لشراء بعض الحاجيات المنزلية من طعام وغيره وكان صاحبها فلسطيني من فلسطينيي لبنان من قرية ترشيحا في شمال فلسطين. كانت البقالة موجودة بالقرب من تقاطع شارع عبدالله آل ثاني وشارع الكهرباء وكانت وجهة لكثير من أبناء الجاليات الفلسطينية والعربية لقضاء حاجياتهم من البقالة والتسوق وللتعارف على بعضهم البعض وقتها. البقالة احتفظت بإسمها وانتقلت لاحقا إلى سوق واقف بعد عملية التطوير والانشاءات الضخمة التي شهدتها الدوحة وقصة إنشاء البقالة موجودة على النت لمن يريد مزيداً من التفاصيل. ورغم كل ما قيل ويٌقال عن من سلبيات عن الوحدة بين مصر وسورية، أصحاب البقالة إحتفظوا بإسمها حتى اليوم!
مكان ومظهر البقالة الجديد في سوق واقف والصورة أعلاه بالأبيض والأسود، الموقع الأول لمكان وشكل البقالة منذ فترة الستينات من القرن الماضي في مدينة الدوحة، قطر
عن الوحدة المصرية السورية... دردشة جميلة في صالون حلاقة...
مضت الأيام والشهور والسنوات، وظهرت الفضائيات والإعلام العابر للحدود وشهدت المنطقة أحداثاً مثيرة ونقل أسهل وأكثر سلاسة للمعلومات... لاحقا وكنت ما زلت مقيماً في قطر وقت بث حلقات البرنامج المذكور، اعتدت الذهاب الى صالون حلاقة في منطقة (فريق) المرقاب في الدوحة وانقطعت عنه خلال الفترة 2006-2009 بسبب مهمة عمل كنت أقوم بها لأحد مشاريع شركة اتحاد المقاولين العالمية في ابو ظبي، وعندما عدت الى قطر، تذكرت ذلك الصالون الذي كان معروفاً لكثيرين من جاليات بلاد الشام، لكنني وجدت أن البناية التي كان الصالون يتواجد فيها قد تم ازالتها تماماً ويجري بناء مجمع تجاري جديد على انقاضها وعلمت لاحقا ان ذلك الصالون قد انتقل الى منطقة (فريق) بن محمود - أحد مناطق مدينة الدوحة القديمة.
في مساء يوم جمعة وانا في طريقي الى منطقة راس لفان شمال قطر حيث اقيم أيام العمل في معسكر الشركة لتجنب الذهاب يوميا الى موقع العمل الذي يبعد عن الدوحة حوالي 100كم، وعندما تأكدت من وجود الصالون، طلبت من السائق ان ينتظرني وعندما هممت بدخول الصالون، وجدته مكتظاً، فهممت بالتراجع، الا أن صديقي صاحب الصالون لمحني وتذكرني وهَبَّ مُرَحِّباً بي، وقال لي أنه سأل عني كثيرا وألحَّ علَيّ بالدخول.
الحقيقة كان لطيفا كعادته فبعد أن قَلَّ عدد زبائنه، إستاذن من المتواجدين باعطائي أولوية بالحلاقة وقبل الجميع ذلك بترحاب، جلست على كرسي الحلاقة ولفت سمعني وانتباهي انهم كانوا يتحدثون عن حلقات برنامج الجزيرة إياه وعن العقيد عبد الكريم النحلاوي وكان واضحا من لهجتهم انهم سوريون، مع عدد من اللبنانيين والفلسطيينين، وبعد الانتهاء من قص شعري وقبل المغادرة، رأيت أن اطرح عليهم السؤال التالي: هل كان الحال أفضل قبل الانقلاب أم بعد الانقلاب؟ فرد الجميع بصوت واحدٍ موحدٍ تقريباً بالتاكيد على أن الوضع كان أفضل قبل الانقلاب! إنتهى النقاش وشكرت الحلاق على حسن الاستقبال والمعاملة وغادرت المكان قائلا: "سلام عليكم يا جماعة الخير!" ...
لقد انشرح صدري واقتنعت ان الشعوب العربية تريد الوحدة وعلى النخب المخلصة أن تجد الصيغة المناسبة لتحقيقها. لقد قادني لاحقاً الفضول وحب الاستطلاع لأجد اية معلومات متوفرة عن العقيد المذكور على شبكة الانترنت، فوجدت أنه بعد الانقلاب، أنه غادر سورية عام 1963م إلى أحد الدول العربية وعمل كمحاسب في أحد الشركات التجارية فيها!
وفي المناسبة الستين لهذه الانتكاسة أدعو المفكرين المخلصين من أبناء هذه الامة الى مراجغة جادة لتجربة الوحدة واستخلاص الدروس ووضع الخطوط العريضة والمناسبة لكيان عربي يوحد هذه الامة في المستقبل. إن ناديت أسمعت حياً، فهل هناك حياة لمن تنادي؟!
المصدر: صحيفة "الشروق" الجزائرية
---

0 Comments
إرسال تعليق